أبي منصور الماتريدي

602

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

يعمل لنفسه ، ولا يحتمل أن يستحق به الأجر لولا الإنعام منه جل ثناؤه . ثم وعد له في حال فعله بخصال ثلاثة : إحداها : أن عليه صلاته . وصلاته تحتمل مباهاته الملائكة تعظيما لما بذل عبده له ، وخضع لحكمه عليه ، وهو أن قالوا : وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ . . . الآية [ البقرة : 30 ] ، فيخبرهم أن هذا قد سبح حضرة المصيبة ، وخضع لحكمه عليه فيها بالاسترجاع . ويحتمل : مغفرته وإيجاب الثواب الجزيل له بقوله : وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [ آل عمران : 157 ] وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ [ آل عمران : 169 - 171 ] وقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ [ الصف : 10 ] إلى ما ذكر من الإفضال . والله الموفق . ويحتمل ثناؤه ذكرهم في أخبار عباده ، كقوله : وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ [ البقرة : 154 ] ، وقوله : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً . . . الآية [ آل عمران : 169 ] . مع ما يرجى له من زيادة الهدى في الدنيا بقوله : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [ العنكبوت : 69 ] ، وقوله : وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ [ محمد : 17 ] . والثانية : الرحمة . قد يرجع [ إلى ما ذكرنا ، وجائز أن تكون ] « 1 » رحمته هي التي أكرمته بذلك الاسترجاع . ويحتمل : النعمة ، أو رحمة يلقيها في قلوب العباد حتى يحبونه بها ، أو خلف يعطيه في الدنيا . والثالثة : ثم شهد الله لهم بالهداية ، وذلك يحتمل : أن يكونوا اهتدوا لدينه ، ولما من عليهم في المصيبة من التسليم لله . ويحتمل : الاهتداء لطريق الجنة على ما بينه أنه وعد الشهداء . ولا قوة إلا بالله . وقوله : ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ [ التغابن : 11 ] للاسترجاع . وقد روى عن نبي الله صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لم يعط الاسترجاع من كان قبلكم » « 2 » ،

--> ( 1 ) ما بين المعقوفين سقط في ط . ( 2 ) أخرجه الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس بلفظ : « أعطيت أمتي شيئا لم يعطه أحد من الأمم ، أن يقولوا عند المصيبة : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ » وانظر الدر المنثور للسيوطي ( 1 / 286 ) .